ورقة وقالت له دي ورقة دعوة خلع، عشان ميبقاش بينا غير المحاكم، وفر مجهودك عشان تلاقي مكان تنام فيه النهاردة، لأن السر,,ـــــير اللي كنت مأجره عندي.. بعته واشتريت مكانه عجلة لمروان.
ليلى سابته واقف في نص الشارع والناس بتبص عليه وهو مش فاهم إزاي الست القوية اللي كان بيستغل قوتها عشان يظلــ,,ـــــمها، هي نفسها اللي استخدمت قوتها عشان تنهيه من حياتها بضــ,,ـــــربة قاضية. لفت وشها وطلعت سلم بيتها وهي بتغني لمروان، والباب اتقفل المرة دي تكة الكلون بتاعته كانت موسيقى بتعلن بداية حياة جديدة، مفيش فيها ريحة خل ولا ريحة خيانة، بس ريحة حرية.
دياب فضل واقف مكانه والشنطة في إيده، مذهول من الهدوء اللي ليلى اتكلمت بيه. كان فاكر إنها هتصرخ أو تعيط، والساعتها كان هيعرف يثبتها بكلمتين، لكن الروقان اللي هي فيه ده كان أخطر بكتير. سابته وطلعت، وهو فضل يبص لباب العمارة اللي اتقفل في وشه، وحس لأول مرة بسقعة الشارع بجد.
ليلى أول ما دخلت شقتها، قلعت الشوز ورمت مفاتيحها على التربيزة. الشقة كانت هادية، مفيش فيها غير صوت مروحة صغيرة وصوت نَفَس مروان المنتظم وهو نايم. مروان اللي كان من أسبوع بين الحياة والمــ,,ـــــوت، النهاردة وشه رد فيه الدم وعرق السخونية اختفى، وحل محله ريحة بودرة الأطفال والنضافة.
دخلت المطبخ، مابصتش على البوتجاز ولا شافت المواعين بعبء زي كل مرة. فتحت الشباك، الهوا المنعش دخل طير الستارة، وبدأت تعمل لنفسها كوباية شاي بالنعناع بمزاج. وهي واقفة بتصب الشاي، تليفونها نور برمز رسالة.. كانت من مروة.
طردته، والشنطة بتاعته لسه مرمية قدام الباب، الجيران بدأوا يتفرجوا عليه. شكراً يا ليلى، لولا وقفتنا
مع بعض النهاردة، كان فضل بيلعب بينا سنين.
ليلى ابتسمت وقفلت الموبيل. قعدت في البلكونة، بصت للسما الصافية وحست بوزن تقيل انزاح من فوق صدرها. اكتشفت إن السباكة اللي كانت محتاجة تتصلح مكنتش في بيت مروة، ولا في حنفية مطبخها..
السباكة كانت في حياتها هي، في الماسورة اللي كانت بتسرب عمرها ومجهودها ومشاعرها لواحد ميستحقش، والنهاردة هي قفلت المحبس العمومي للأبد.
فجأة سمعت صوت مروان بينادي ماما بصوت ناعم. دخلت له الأوضة، لقت عينه مفتوحة وبيضحك لها. شالته وضمته بقوة، شمت ريحته اللي هي أغلى عندها من كل كنوز الدنيا. مروان مسك خصلة من شعرها وشدها وهو بيضحك، ليلى بصت لصورة والده اللي كانت مكسورة على الأرض، وشافت إن الإطار الخشب بتاعها انقسم نصين، بس صورة مروان اللي كانت جواها فضلت سليمة ومنورة.
خدت الصورة السليمة وحطتها في برواز جديد كان عندها، وعلقته في صدر الصالة.
النهاردة البيت ده بقى ملكها وملك ابنها وبس. قاسي اتعلمت منه إن الست القوية مش هي اللي بتشيل فوق طاقتها وتسكت، الست القوية هي اللي بتعرف امتى تسيب الحمل اللي بيهد ضهرها وتمشي وهي راسها مرفوعة.
ومع أول خيوط شمس الصبح، ليلى لبست ونزلت شغلها وهي سحبة مروان في إيدها، والضحكة على وشها حقيقية لأول مرة من سنين. الحكاية مخلصتش بوجع، الحكاية بدأت بنضافة، والشارع اللي كان دياب واقف فيه بيحاول يتمسكن، بقى هو نفسه الشارع اللي ليلى مشيت فيه وهي بتخطط لمستقبل مروان، من غير ما تبص وراها ولو لمرة واحدة.
مرت الشهور، والشقة اللي كانت زمان خانقة وريحتها مرض ونكد بقت جنة صغيرة بتبرق بنضافة الراحة النفسية. ليلى مكنتش بس بتشتغل
عشان تصرف، ليلى كانت بتبني كيان. فتحت مشروع صغير من البيت لعمل الحلويات وتجهيز العزومات، وبقت ريحة الفانيليا والقرفة والقهوة هي اللي مالية المكان، ريحة نجاحها هي، مش ريحة طلبات حد تاني.
في يوم، ليلى كانت واقفة في المطبخ بتزين تورتة كبيرة لزبونة، تليفونها رن برقم غريب. ردت بهدوء، جالها صوت مكسور، شاحب، لدرجة إنها معرفتوش في الأول ليلى.. أنا دياب.
سكتت ليلى لحظة، كملت بتزين التورتة بإيد ثابتة وقالت نعم يا دياب؟ عايز إيه؟
صوته كان فيه رعشة أنا تعبان يا ليلى.. مرمي في أوضة فوق السطوح، مروة رفعت عليا قضية نفقة وحجزت على كل اللي ورايا واللي قدامي، والشغل مشوني منه عشان المشاكل.. أنا ماليش غيرك يا أصيلة، مروان واحشني، عايز أمــ,,ـــــوت في بيتي وسطكم.
ليلى سحبت نفس طويل، بس المرة دي مكنش نفس مخنوق، كان نفس فيه شموخ بيتك؟ أنت بيتك كان في كل مكان يا دياب إلا هنا. بيتك كان في المواجع اللي سبتهالي، وفي حرارة ابنك اللي هونت عليك. ومروان دلوقت في التمرين، مبيفتكرش حد بالاسم ده، هو يعرف إن ليه أم ب مية راجل هي اللي سنداه.
دياب بدأ يعيط يا ليلى ارحمي، أنا جوزك، مهما حصل بينا..
قطعت كلامه بكلمة زي السيف كنت جوزي.. دلوقت أنت غريب والطلبات للغرباء ممنوعة. لو فعلاً تعبان، اطلب الإسعاف، زي ما أنا طلبتها لابني وأنا بترعش وأنت بتكنسل عليا. الدنيا سلف ودين يا دياب، والديّن اللي عليك طلع تقيل أوي.
قفلت السكة قبل ما تسمع رده، وعملت للرقم بلوك نهائي. مسحت إيدها في الفوطة وبصت لنفسها في مراية المطبخ. شافت ست تانية خالص، عينيها بتلمع، وشها مرتاح، وصغر عشر سنين.
الباب انفتح ودخل مروان وهو
لابس لبس الكاراتيه
وبيجري عليها ماما! شوفي خدت الحزام الجديد!
ليلى شالته ولفّت بيه وهي بتضحك من قلبها مبروك يا بطل، ده أنت اللي هتسندني بجد.
قعدوا ياكلوا مع بعض في هدوء وسكــ,,ـــــينة، وفي اللحظة دي، النور قطع في المنطقة كلها إلا شقة ليلى، لأنها كانت مجهزة كشافات طوارئ وشاحنة كل حاجة بذكاء. قعدت في الضوء المنور وسط العتمة اللي حواليها، تفتكر اليوم اللي كانت قاعدة فيه في المطبخ الضلمة بتعيط.
بصت لمروان وقالت له عارف يا حبيبي؟ مفيش حد بيصلح حنفية قلبك لما تتكسر غيرك أنت.
مروان بصلها ببراءة وقال يعني إحنا مش محتاجين حد يصلح لنا حاجة يا ماما؟
ليلى باست راسه وقالت بيقين لا يا حبيب ماما، إحنا اتعلمنا نصلح كل حاجة بنفسنا، واللي بيتصلح بالإيد، مبيتحنيش لأي حد تاني.
نام مروان، ودخلت ليلى بلكونتها، شافت دياب واقف بعيد تحت عمود النور، باصص لشباكها المنور بحسرة، وشنطته لسه في إيده كأنها لعنة مرافقة له. ليلى مشفقتش عليه، ولا كرهته، هي ببساطة.. مابقتش شايفاه. سحبت الستارة، طفت النور، ونامت في أمان، وهي عارفة إن بكرة شمس جديدة هتطلع، شمس هي اللي بتتحكم في نورها.
بعد سنة كاملة من اليوم ده، كان فيه احتفال صغير في أتيليه ليلى للحلويات.
المكان كان شيك، ريحة الفانيليا والورد مالية الأجواء، وصور نجاح ليلى وتكريمها كأفضل مشروع متناهي الصغر في المنطقة مالية الحيطان.
ليلى كانت واقفة لابسة فستان هادي ومنسق، ملامحها بقت أرقى وأهدى، وفوق كدا، الثقة في عينيها كانت تخليك تحس إنها ملكة في مملكتها. دخلت عليها مروة، طليقة دياب، بس المرة دي كانت داخلة بابتسامة حقيقية، مش مكسورة زي زمان.
مبروك يا ليلى، تستاهلي كل خير والله، قالت مروة وهي بتقدم لها بوكيه ورد. أنا لسه شايفة دياب الصبح.. شغال مندوب مبيعات، بيلف في الشوارع بشنطة تقيلة وشكله عجز عشرين سنة. لما شافني حاول يكلمني، بس أنا حتى موقفش أسمعه.
حبيت بس أطمنك إن الدواير بتلف، والوجع اللي سكن قلوبنا زمان، هو دلوقت اللي عايش فيه.
ليلى ردت بهدوء وهي بتعدل مفرش التربيزة تعرفي يا مروة؟ أنا مبقتش مهتمة أعرف هو فين ولا بيعمل إيه. دياب بالنسبة
لي بقى زي جوان الحنفية القديم اللي كان بيصلحه.. حاجة اتهرت واترمت في الزبالة وملهاش لازمة. أنا دلوقت مشغولة بمستقبل مروان وبشغلي.
مروان دخل الأتيليه وهو ماسك شهادة تقدير من المدرسة، وجري على ليلى ماما! المس قالت إني أشطر واحد، وإني طالع لأمي في الذكاء!
ليلى ضحكت ورفعته لفوق، وفي اللحظة دي، عينها جت على شاشة التليفزيون اللي في الركن، كان فيه تقرير عن نجاح المرأة المصرية وقدرتها على التحدي. ليلى حست إن الكلام ده مكتوب عشانها هي.
وهي بتطفي أنوار الأتيليه بالليل بعد ما خلصت الحفلة، لقت رسالة جاتلها على الموبيل من رقم دياب.. بس المرة دي كانت الرسالة عبارة عن صورة لإيده وهي ماسكة مفتاح ربط قديم، وتحتها جملة كنت فاكر إني بصلح بيوت الناس، وطلعت أنا اللي محتاج تصليح من جوايا.. سامحيني.
ليلى ماردتش، ولا حتى مسحت الرسالة.
هي سابتها للذكرى، عشان تفضل فاكرة إن اللي بيظلــ,,ـــــم بيجي عليه يوم يتمنى فيه نظرة رضا من اللي ظلــ,,ـــــمهم. خرجت من المحل، قفلت الباب، وبصت للسما اللي كانت منورة بنجوم صافية.
ركبت عربيتها الجديدة، ومروان جنبها بيحكي لها عن أحلامه إنه يبقى مهندس كبير يبني بيوت حقيقية مابتتهدش. ضحكت ليلى ودورت العربية وهي بتقول له هتبنيها يا حبيبي، بس أهم حاجة تبنيها على الصدق، عشان البيت اللي أساسه كذب.. أول ما الحنفية فيه بتنقط، السقف كله بيقع على دماغ صاحبه.
ومشيت العربية في شوارع القاهرة المنورة، تاركة وراها حكاية ست عرفت إن القوة مش في الصبر على الإهانة، القوة في قص الحبل اللي بيربطنا بالماضي، والبدء من جديد بقلب ملوش صاحب غير نفسه.
السنين دارت، ومروان كبر وبقى راجل بجد، مش مجرد سنين بتعدي. ليلى كانت قاعدة في فرحه، لابسة فستان فخم وهادي، ملامحها لسه شايلة الوقار والجمال اللي مبيكبرش، عينيها كانت بتلمع وهي شايفاه واقف بالبدلة جنب عروسته، ست رقيقة اختارها بقلبه وعقله.
